الارشيف / اخبار مصر اليوم / المصرى اليوم

حديث لا يموت مع مفكر مات (9) لو كتبت «عودة الوعى» فى حياة عبدالناصر ما أخفيت ذلك عليه

ظل حكم الرئيس جمال عبدالناصر محمياً من النقد طوال فترة حياته، فلم يظهر كتاب أو مقال أو كاريكاتير داخل ينتقده. والمقالات المعدودة التى اعتبرت انتقادا للنظام مثل «زوار الفجر» ومقال آخر عن صدور بعض القوانين الخاصة التى تمت إحاطتها بالسرية، وطبع نسخة واحدة من الجريدة الرسمية التى تنشرها بحيث لا توزع مثل باقى أعداد الجريدة الرسمية (مقال شهير للدكتور جمال العطيفى) ظهرت فى الأهرام تحت إشراف الأستاذ هيكل وبالتالى جرت فى كنف حماية خاصة للأستاذ، بالإضافة إلى اطمئنان عبدالناصر إلى أن هيكل يقصد تجميل صورة النظام وليس تشويهها.

وبعد وفاة عبدالناصر ظل تاريخه محميا بشعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، وهكذا فإنه ما إن بدا أن المعركة قد انتهت بحرب أكتوبر 73 حتى شهد عام 1974 سيلاً من الكتب التى وجهت حرابها إلى عبدالناصر ونظامه، وكان أولها كتاب الدكتور إبراهيم عبده، أستاذ الصحافة، «رسائل من نفاقستان» فى إشارة إلى دولة النفاق التى استمرت تحكم مصر 18 سنة. وبعدها صدرت كتب «سنوات الهوان» و«الصامتون يتكلمون» (سامى جوهر)، و«القربة المقطوعة» (جلال الحمامصى)، و«بأمر عبدالناصر» (أحمد عطية صالح)، وغير ذلك، إلا أن أهم هذه الكتب بلاشك «عودة الوعى» الذى لم يكن متصورا أن يأتى من كاتب ومفكر وفيلسوف أهداه عبدالناصر أرفع الأوسمة. وقد اتهم الشعب دون أن يستثنى نفسه من أنهم كانوا يعيشون فترة الوعى المفقود، مطالبا بفتح كل الملفات لمعرفة سبب ما حدث، وعلى رأس ذلك هزيمة 67.

قال لى توفيق الحكيم: نعم طالبت فى هذا الكتاب بفتح كل الملفات ليطمئن قلبى ويظهر للتاريخ أن عبدالناصر لم يكن مسؤولا عن الأخطاء إلا فى حدود نسبة صغيرة. ولكن التاريخ يحمل الزعماء كل المسؤوليات الكبرى ظلما أحيانا. فنابليون مسؤول عن هزيمته فى واترلو ونُفى بسببها إلى أن مات ملعونا. مع أن السبب فى الهزيمة كان أحد قواده الذى تأخر فى دخول المعركة كما خطط نابليون.

قال توفيق الحكيم: إذا كان لعودة الوعى فضل فهو أنه بالفعل أدى إلى نشر الكثير من مذكرات المشتركين فى الأحداث التى مرت، وإن تعدت النقد إلى الهجوم على شخص جمال عبدالناصر وإلى حد التشكيك فى وطنيته. وقد هالنى ذلك لأنى لم أقصد فتح الملفات لكيل الاتهامات وهو ما جعلنى أبادر إلى نشر مقال لى فى الأهرام عنوانه «أغلقوا الملفات». وهكذا فُهم هذا الكتاب (عودة الوعى) فهما خاطئا، سواء بالإشاعة ممن لم يقرأه قراءة جادة، أو ممن اتخذه للنيل من شخص عبدالناصر. ولذلك لم يحن الحين بعد للدراسات الموضوعية لتاريخنا وأعلامنا. ولذلك أشك فى إمكان نشرنا موسوعة موضوعية تماما لأننا سنملؤها بالمعلومات التى تريدها السلطات لعدم وجود الهيئات المستقلة ولا المفكرين غير المنحازين لأى مؤثرات، فلنصبر إذاً وربنا يصلح أحوالنا.

قلت للحكيم: أفهم أنك نادم على كتابة الكتاب؟

قال بحسم: لا أبدا.. ولو لم أكتبه لكان لابد أن أكتبه. ولو كان عبدالناصر حياً لطلبت أن يطلع عليه وأعتقد أنه كان يوافق على نشره. وعندما كتبت «السلطان الحائر» عن حاكم حائر بين السيف والقانون فقد كتبته عندما قال أحد المسؤولين عندنا إن القانون فى إجازة. وكانت قضية خطيرة يجب لأى كاتب حر أن يلفت نظر الحاكم إليها. ولكنى رفضت أن تخرج هذه المسرحية على المسرح قبل أن يطلع عليها المسؤولون لأنى لا أقصد بها ولا بغيرها مضايقة الحاكم أو الهجوم عليه، خاصة عبدالناصر.

وكذلك فعلت فى كتابى «بنك القلق»، الذى وصفت فيه نظام حكمنا بأنه «إشتراسمالية» وقرأه عبدالناصر ولم يمانع فى نشره رغم أن بعض معاونيه غضبوا لنشره. ولو كنت أردت كتابة «عودة الوعى» فى حياة عبدالناصر ما أخفيت ذلك عليه لأننى أؤدى واجبى ككاتب حر فى إطار حبى الشخصى له.

سكت الحكيم قليلا ثم عاد يقول: إننى أعدت قراءة كتاب عودة الوعى مرات ومرات لمراجعة ما قيل إنه هجوم على عبدالناصر فلم أجد كلمة واحدة تمس شخص عبدالناصر أو سمعته أو أخلاقه الشخصية، إنما هو نقد موضوعى للنظام فقط وليس لشخص الزعيم. النظام الذى استقبلته بالحماسة وتحول شيئا فشيئا إلى نظام بوليسى وأدى إلى هزيمة منكرة من عدو صغير ثم لم يجرؤ نائب واحد فى مجلس الشعب أن يقف ويقول: إنه مع حبنا وإجلالنا العميق لزعيمنا فإننا نريد أن يوضح لنا أمرا واحدا وهو كيف وقعت الهزيمة. لكن الذى حدث فى مجلس الشعب بعد الهزيمة هو الرقص. نعم نائب يرقص! (سبب ذلك إعلان عدول عبدالناصر عن قراره بالتنحى)، إذن كنا وكان نوابنا فى حالة وعى غائب أو فى نظام جعل الناس يعتادون الهتاف والتصفيق وغاب عنهم الوعى بضرورة السؤال والمناقشة. أما السلبيات فى الكتاب فكانت فى صورة أسئلة مثل: ما الذى فشل فى الإصلاح الزراعى، والصناعة، والتعليم، ونحو ذلك؟ إننى فى كتابى «سجن العمر» انتقدت والدى ووالدتى مع حبى لهما لأننى أفصل بين التقدير والتقديس، وتقديس عبدالناصر ألصق تهمة الهجوم ضد كل من يناقش أو ينتقد أى عمل لعبدالناصر.
[email protected]

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

ملحوظة: مضمون هذا الخبر تم كتابته بواسطة كتاب المصرى اليوم ولا يعبر عن وجهة نظر مصر اليوم وانما تم نقله بمحتواه كما هو من المصرى اليوم ونحن غير مسئولين عن محتوى الخبر والعهدة علي المصدر السابق ذكرة.

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا